مقالات

الممارسات الميدانية أساس التحوّل

  الممارسات الميدانية أساس التحوّل

 

كتب الدكتور كمال الحجام 

موازنات:

  

  الممارسات الميدانية أساس التحوّل: 

 

       من ابستمولوجيا المعرفة النّظريّة 

     إلى ابستمولوجيا المعرفة المهنيّة:

 

     يحيلنا واقع العمل التربوي في سياقاته المخصوصة إلى اعتبار أن الممارسة المهنيّة ليست مجرّد تطبيق لنظريات معرفية ولا لتوصيات تقنية جاهزة ولا لقواعد مهنية محدّدة، وذلك كما تزعم العلوم المطبّقة، ويمكّننا هذا من القول أن بناء العمل التربوي على التّطبيق الآلي للقواعد والتوصيات والخلاصات المنبثقة عن العلوم بقدر ما يوفر مراشح علمية عامة مساعدة على الفهم، بقدر ما قد يهمل ما توفّره الممارسة المهنيّة ذاتها من فرص تسمح للفاعل التربوي من بناء مسارات عمله المخصوص. 

 

        الممارسة المهنية تسمح بالبناء المعرفي الذكي للفعل التربوي الذي بفضله يجد المهني مجال التصرّف والمبادرة وإنتاج الحلول ويتعرّف الأهداف والوسائل التي يستعملها. فالصعوبات في مستوى الممارسة التربوية في واقع مخصوص لا تطرح نفسها على المهني بل تبنى من خلال فعل تربوي حرّ مقصود متخلّص من القواعد الجاهزة، هذا الفعل المتحرّر والملتزم بفهم خصوصيات الواقع هو في جوهره فعل ذهني يفضي إلى إعطاء معنى للسياق وما يفرضه من ضغوطات واقعية هي في البداية خالية من كل دلالة، وهي المشحونة بالمعاني عند إخضاعها للتفكير.

 

      وبهذا المعنى، فإن اكتفاء الفاعل التربوي بالمعرفة النظرية، على أهميتها وقيمتها، تضعه أمام وضعيّات جديدة غير مألوفة قد تفلت من كل نمذجة مسبقة، وهو ما يزيد في تعقيد عمله وتعسيره خاصّة إذا علمنا أنّ جل الوضعيّات المتفاعل معها هي فريدة وإن تشابهت، وهي متجدّدة وإن تكرّرت، وهي متنوعة وإن تجانست في شكلها. 

      فهل يمكن تصوّر حلول دائمة يمكن حفظها تمكّن من المواجهة الصريحة لخصوصياتها؟ 

     وهل من علوم ممكنة للتطبيق في كلّ الوضعيّات؟

     أم أن الحلول الممكنة تكمن أصلا في القدرة على رصد الواقع والبحث له عن حلول في إطار السّياق الحقيقي الذي تتنزّل فيه الوضعيّة المعالجة؟

 

    قد تفلت المشاكل المطروحة في إطار الوضعيّات المهنيّة الحقيقيّة من مقاربة العلوم المطبّقة وترفض القواعد البيداغوجيّة المطلقة. فالفاعل التربوي الذي يحاول تجاوز الوقائع المهنية المطروحة عليه بتوظيف نظريّات خارجة عن السّياق، لا يتمكّن في الغالب من إيجاد الحلول المناسبة لعدّة أسباب من أهمّها عدم تلاؤم خاصيّات الوضعيّة الحقيقيّة مع الفئات النّظريّة المحدّدة مسبقا. فكما لا يستطيع الطّبيب أن يطبّق القواعد والتّقنيات العلاجيّة المقترحة في الكتب المختصّة على كل الحالات، فإنّ الفاعل التربوي لا يمكن له أن يوظّف القواعد البيداغوجيّة المنبثقة عن العلوم التّربويّة على وضعيّات مهنيّة غير متوقّعة من قبل المنظّرين التّربويّين.

 

   وهذا ما يفسّر في تقديرنا وجود الهوّة الفاصلة بين النّظريّات التّربويّة والممارسة المهنيّة كما تجري في الواقع، وهذا ما يفسّر التّناقض الموجود بين الوضعيّات التربوية المتميّزة بالتفرّد والتّجدّد والتّركيب والتّعقيد والأبستمولوجيا الوضعيّة التي تختزل الفعل المهني في مجرّد تطبيق آلي للقواعد. فما بين المعرفة الأكاديميّة المتقاربة والمنتجة للاستنتاجات المعرفية العامة نظظرا لطبيعتها الاكاديمية، وبين المعارف المهنيّة المتباعدة في شكلها وفي مضمونها اعتبارا للسيّاقات المختلفة والخصائص الفريدة التي تتولد في إطارها، يكمن سرّ نجاح الممارسة المهنية الذكية. 

 

   ولا نخال ذلك ممكنا دون تأسيس الفعل التكويني على فترات تخصص للممارسة في إطار تربصات منظمة شكلا على مستوى الأدوات الموظفة، ومضمونا على مستوى المبادئ التي تنبني عليها عمليات المرافقة. وهو ما يفضي في تقديرنا إلى توظيف الفاعل التربوي لكفايات مهنية تنمّي القدرة على “التّفكير المتباعد” احتراما لطبيعة الواقع، وتعطي معنى للفعل الإنساني المبني على الإبداع والمبادرة وبناء البدائل. 

 

     وتفضي بنا هذه الملاحظات المتّصلة بالواقع إلى إعادة النّظر في مسألة المعرفة الموظّفة في الممارسة، فإذا كانت ابستيمولوجيّة العلوم المطبّقة تبدو غير مكتملة لتفسير الوضعيّات المتباعدة، فإن ابستيمولوجيّة الفعل المهني (Schön, 1994) تتميّز بقدرتها على فهم الواقع لاعتمادها على الوضعيّات الفريدة والمركّبة كمنطلق لبناء الكفايات المهنية. وفي هذا السّياق يسعى الفاعل التربوي من خلال ممارسته الفريدة إلى فهم الوضعيّة حدسيّا، كما يتمكّن بفضل تأمّله فيها بمساعدة الآخر إلى صوغ المشكل. ولا نخال ذلك يتمّ انطلاقا من تطبيق نظريّات منبثقة عن بحوث ولكن اعتمادا على مفكّرة (répertoire) تتكوّن من معارف مهنيّة يتمّ بناؤها تدريجيّا من خلال الممارسة. 

 

      ويمكّن هذا التّمشّي المنهجي في التّعامل مع الوقائع المهنية من إدراك الوضعيّات في اختلافها وتجدّدها، فهي مختلفة عن بعضها بالرّغم من التّشابه الحاصل بينها، وهي جديدة وطارئة بالرّغم من معرفتنا لجلّ مكوّناتها. ويفضي هذا التّجدّد المنتظم في الوضعيّات التي يواجهها الفاعل المهني إلى بناء نماذج جديدة من الوضعيّات، وتقوده عمليّة التّحقّق من فرضيّات معالجتها إلى إعادة هيكلتها بما يساهم في إثراء تجربته الشّخصيّة. هذا ما يجعلنا ندرك أنّ الأنشطة الذّهنيّة التي يوظّفها المهني عامّة في البحث العلمي ضمن نموذج العلوم المطبّقة تأخذ معاني جديدة في النّشاط التّأمّلي. ولعلّ أهمّ ما يميّز الفعل في إطار نموذج ابستيمولوجيّة الممارسة المهنيّة هو البحث الواعي في تغيير الوضعيّة وتعديلها وإنتاج معرفة شخصيّه تستقي معناها من كونها تنبع من الممارسة الفعليّة.  

 

     وبناء على ما سبق، فإن أهمية المعرفة المهنيّة في إطار هذا النموذج تكمن في أنها:

– معرفة متخصّصة في مجال مهني محدّد وفي وضعيّات مهنيّة معيّنة، 

– معرفة مبنيّة تتأسّس بفضل تمشّ ذهني شخصي للفاعل نفسه أثناء الممارسة، 

– معرفة ناتجة عن بحث تجريبي يقوم به الممارس في الوضعيّة ثم يخرجه من سياقه ليكون في مستوى المعرفة النّظريّة،

– معرفة منتجة للحلول نظرا لارتباطها في نشأتها بالوضعيّات الحقيقيّة.

وكل هذا في تقديرنا يؤسّس لفعل تكويني يعتمد بالضرورة على فرص متعددة لممارسة المهنة في واقعها بما يضمن للفاعل المهني من توجيه فكره للواقع واكتساب كفاية التفاعل مع السياق والقدرة على التأثير فيه.

 

                             د/ كمال الحجام

                             نوفمبر 2024

الممارسات الميدانية أساس التحوّل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى